عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

464

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ومن أصحابنا من حكي عنه رواية أخرى في الرخصة في سماع القصائد المجردة ، وهي اختيار أبي بكر الخلال وصاحبه أبي بكر عبد العزيز وجماعة من التميميين ، وهؤلاء يحكى أيضاً عنهم الرخصة في الغناء ، وإنما أرادوا سماع هذه القصائد الزهدية المرققة ، لم يرخصوا في أكثر من ذلك . وذكروا أن الإمام أحمد سمع في منزل ابنه صالح - من وراء الباب - منشدًا ينشد أبياتًا من هذه الزهديات ، ولم ينكر ذلك ، لكن لم يكن مع إنشادها تغبير ، ولا ضرب بقضيب ولا غيره . وفي تحريم الضرب بالقضيب وكراهته وجهان لأصحابنا ، فإنه لا يُطربُ كما يطرب سماع آلات الملاهي . وقد رُوي أيضًا سماع القصائد الزهدية عن يزيد بن هارون ، وعن يحيى ابن معين وأبي خيثمة . وعلى مثل ذلك أيضًا يحمل ما نقله الربيع وابن عبد الحكم عن الشافعي في الرخصة في التغبير ، وأنه أراد بذلك سماع الأبيات الزهدية المرققة للقلوب ، المقتضية للتحزين والتشويق والترقيق إما مع ضرب بقضيب أو بدونه ، ولعل الشافعي كره سماع القصائد مع الضرب بالقضيب ، ورخص فيه بدونه ، فلا يكون له في ذلك قولان مختلفان ؛ بل يكونان منزلان عَلَى حالين ، وكذلك يزيد بن هارون . وعلى مثل ذلك أيضًا يُحمل عامة ما ( رُوي ) ( * ) عن المتقدمين من الصوفية وغيرهم ، في الترخص في السماع والغناء ، فإن غناءهم وسماعهم كان لا يزيد عَلَى سماع هذه القصائد ، إلا الضرب بالقضيب معها أحيانًا ، فَإِذَا كان الشافعي رحمه الله قد أنكر الضرب بالقضيب ، وجعله من فعل الزنادقة الصادين عن القرآن ، فكيف يكون قوله في آلات اللهو المطربة ؟ ! وإن كان قد وقع في سماع ذلك طائفة من الصالحين والصادقين بتأويل ضعيف ، فلهم أسوة بكثير من العُلَمَاء الذين شذوا عن أهل العِلْم بأقاويل ضعيفة ، ولم يقدح ذلك في منازلهم ، ولم يُخرجهم عن دائرة العِلْم والدين .

--> ( * ) يروى : " نسخة " .